بأي منطق سيتم إلغاء العمل الإيجابي في الميدان؟

وأستغرب دائما أن الذين يرفعون شعار حماية الفئات الضعيفة والمضطهدة لا يطالبون بالتمييز الإيجابي في قطاعي الإنتاج والخدمات، في الوقت الذي يركزون فيه على المطالبة بالتمييز الإيجابي في التوظيف. فلماذا التركيز على هذا المطلب دون غيره، وهل ستكون الاستجابة لهذا المطلب حلا معجزة لمشاكل وهموم فئاتنا الضعيفة؟
الجواب على هذا السؤال يتطلب التوقف عند عدة نقاط، ولعل أشهرها:
أولاً: العمل هو الحل الوحيد للأزمة
الوظائف في القطاع العام محدودة، ورواتبها منخفضة، ومن الصعب على موظفي الخدمة المدنية أن يتقدموا كثيراً من خلال رواتبهم وحدها. وحتى لو اعتبر أن جميع الوظائف في الدوائر الحكومية مخصصة للفئات الضعيفة، حيث العمل محدود بالفعل، ويكاد يكون مستحيلا، ولو اعتبر أن الظروف المعيشية لمن يعملون لن تتغير كثيرا، إذا لم يسرقوا المال العام، وتلك قصة أخرى.
وخلاصة هذه القضية هي أن التمييز الإيجابي في العمل قد – بصعوبة – يحل المشكلات الفردية، لكنه لن يحل مشكلة الظلم والإقصاء بشكل عام، التي تعاني منها فئات كثيرة من الناس في المجتمع.
الثاني: خداع المنصب الرفيع
وإذا تجاوزنا العمل البسيط، إلى عمل أعلى فأعلى، فسنرى أن الأمور لن تتغير كثيراً. ولتوضيح ذلك سأكتفي بإعطاء أمثلة محددة على عدم وجود تأثير إيجابي في الأقسام والوحدات والمناطق لمن تولوا هذه المناصب الرفيعة.
وإذا أردت مثالا محددا من الموقف خذ هذه الأمثلة السريعة: هل تتذكر أول رئيس للبرلمان الموريتاني في عهد نظام ولد الطايع؟ وكيف استفادوا خلال فترة انعقاد البرلمان، وهو عدد قليل نسبياً؟ أستطيع أن أقول – بثقة مطلقة – الإجابة على هذا السؤال: لا شيء، لا شيء على الإطلاق. كيف استفادت مملكة الحوض الشرقي من احتكار رئاسة الوزراء منذ ربع قرن تقريباً؟ فهل استفادت الولاية من التنمية، وهل تحسنت الظروف المعيشية لأهلها، أم تحسنت أسرة الوزراء الأوائل من تلك الولاية؟ لا أعتقد أنني بحاجة للإجابة على هذا السؤال.
سؤال آخر: هل لاحظتم أن هناك تحسناً -ولو كان ضعيفاً- في أوضاع الفئات الضعيفة حدث في عهد رئيس الوزراء السابق، ولم يحدث في عهد رئيس الوزراء الحالي أو السابق؟
وخلاصة هذه النقطة هي أن المنصب الرفيع قد يجذب قليلا من استياء قبيلة أو جزء أو حزب، لكنه لا يترك أثرا في تطور تلك القبيلة أو الجزء أو الحزب.
ثالثاً: المحاصصة ليست حلاً
وكثيراً ما تؤدي الحصص إلى الكوارث، كما تظهر التجارب في لبنان والعراق ودول أخرى. ولكن أكرر: أنا لست ضد التمييز الجيد في مكان العمل، لكن لو خيروني بين حكومة بها عمال أكفاء وشرفاء، وليس لدي أي انتماء عرقي أو جهوي أو عرقي، وحكومة فاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو منطقتي، فسأختار الأولى دون تردد.
وخلاصة هذه الحجة هي أن الموظف الكفء والنزيه سوف يفيد الجميع عندما يتم تعيينه، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فسوف يضر الجميع، بما في ذلك أفراد قبيلته أو قسمه أو قريته.
رابعاً: القطاع غير المصنف هو حياة الفئات الضعيفة
والأرجح لتحسين أوضاع الفئات الضعيفة هو التمييز الجيد في قطاع الإنتاج والخدمات، وخاصة القطاع غير المصنف، الذي يعتبر شريان الحياة لآلاف الأسر الضعيفة.
هناك آلاف الأسر الضعيفة التي أصبحت سبل عيشها معرضة للخطر، نتيجة التطور الذي تشهده المدن الكبرى، ونتيجة تدفق المهاجرين إلى بلادنا. على سبيل المثال، عندما يظهر “مسلخ حديث” في الحي، يفتحه مواطن موريتاني عادي، أو يفتحه أجنبي يعيش في البلاد، فهذا يعني أن العديد من الجزارين الصغار في المنطقة الذين لا يملكون سوى طاولات خشبية حول مجموعة الذباب سيضطرون إلى البحث عن مصادر أخرى لكسب العيش. يحدث نفس الشيء عندما تفتح “متجر بقالة محلي” أو متجر بقالة فاخر.
إن تقديم الإعانات لصغار الجزارين، وبائعي الخضار، وعمال غسيل الملابس، وغيرهم من صغار المهنيين، من شأنه أن ينقذ آلاف الأسر الضعيفة من المنافسة غير المتكافئة.
وخلاصة هذا النقاش هي أن المطالبة بإنشاء وكالة خاصة للقطاع غير المصنف يجب أن تكون من أهم المطالب التي يقدمها أولئك الذين يهتمون حقا بالفئات الضعيفة.
خامساً: مكافحة التهميش تبدأ بالإصلاحات التعليمية
إن تطوير المدارس الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العام، وتوسيع الدعم المالي والتمويل وبرامج التغذية المدرسية في المناطق الأكثر ضعفا، والنظر في التدريب المهني لأولئك الذين تسربوا من المدارس، أو أولئك الذين لم يدرسوا قط، سيظل الطريقة الأكثر فعالية لكسر دائرة الفقر والإقصاء والظلم. إن توفير الصحة والمياه والكهرباء للخدمات الأساسية الأخرى في المناطق الضعيفة يمكن أن يساعد في التعليم، حيث يعتبر نقص هذه الخدمات في المناطق الضعيفة أحد أخطر أشكال الإقصاء.
خلاصة هذه المناقشة هي أن التعليم سيظل الأداة الأكثر فعالية في التعامل مع الظلم والإقصاء، حتى لو لم يتم حصد نتائجه بشكل فوري ومباشر.
سادسا: من يحارب الفساد يقضي على الوصمة
ومن يرفع شعار حماية المهمشين عليه أن يكون من أوائل المطالبين بمحاربة الفساد. وعندما تخصص الحكومة الكثير للتعليم أو لتمويل مشاريع صغيرة في القطاع غير المصنف مثلاً، دون محاربة الفساد، فهذا يعني أن المهمشين لن يستفيدوا من الموارد النظرية الممنوحة لهم في جدول الموازنة. إن كل مبلغ ينهب من المال العام، وكل مشروع ينفذ بطريقة سيئة، وكل عمل يتم بالمحسوبية والمحسوبية، سيؤدي في النهاية إلى حرمان الفقراء المهمشين من حقهم في التعليم والصحة والمياه والكهرباء. والعمل. ولذلك فإن قضية العدالة للفئات الضعيفة لا يمكن أن تكون جدية إلا إذا صاحبتها معركة حقيقية وقاسية ضد الفساد.
خلاصة هذه المناقشة هي أن القضاء على الوصمة يبدأ وينتهي بمكافحة الفساد.
سابعا: لنعيد السؤال مرة أخرى
فلماذا يركز الكثير ممن يرفعون شعار حماية الفئات الضعيفة على المطالبة بالتمييز الإيجابي في التوظيف، ويتجاهلون الأهم: المطالبة بالتمييز الإيجابي في قطاعي الإنتاج والخدمات؟ هل لأن التمييز الإيجابي في التوظيف سيفيد من يحتاج إليه، وهم مجموعة صغيرة جداً من الناس، أما التمييز الإيجابي في قطاعي الإنتاج والخدمات سيؤثر على فئة كبيرة من الضعفاء؟
وبعبارة أوضح فإن نتيجة التمييز الإيجابي في العمل ستكون لنخبة الفئة الضعيفة، ونتيجة التمييز الإيجابي في الميدان ستصل إلى عموم السكان من الفئة الضعيفة، ونحن في هذا البلد تعودنا على مختلف النخبة التي تبيع مشاكل الشعب العامل.
إن تركيز القادة وأشكال الحركة التي ترفع شعارات أو أيديولوجيات أو سياسات حقوق الإنسان للمطالبة بالوظائف والمصالح الخاصة ليس بالأمر الجديد بالنسبة لنا. لقد فشلت الحركات الأيديولوجية للعمال والناصريين والبعثيين والإسلاميين في تحقيق معظم مطالبهم، حيث سعى العديد من قادتهم إلى الحصول على وظائف ومصالح شخصية على حساب “شعارهم”. والأمر نفسه يمكن أن يقال عن حركة الحرية في المرحلة المقبلة، وعن الأحزاب السياسية الكثيرة التي رفعت شعارات تطالب بالتغيير.
الخلاصة، في كلمة واحدة: عندما يقتصر الطلب على العمل والمصالح الشخصية والحدود، سواء كانت قانونية أو سياسية أو أيديولوجية، فاعلم أن “العقل” سيستهلكه، مهما كانت المشكلة.

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين الفاضل
(البريد الإلكتروني محمي)





الثلاثاء 19/05/2026 – 13:28

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *