الذكاء الاصطناعي يغير سوق العمل. لماذا تبدو وظائف النساء أكثر عرضة للخطر؟

ولم يعد السؤال اليوم: هل سيغير الذكاء الاصطناعي سوق العمل؟ والسؤال الأكثر إلحاحا هو: من سيدفع الثمن أولا؟ وبينما تشق أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية طريقها إلى المكاتب وخدمة العملاء والمحاسبة والترجمة والتسويق، تظهر مخاوف جديدة من أن النساء أكثر عرضة لخسارة بعض المهام أو إعادة تصميم وظائفهن، ليس لأنهن أقل قدرة، ولكن لأنهن يركزن على الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة.

ولا يعني الخطر أن الوظائف سوف تختفي على الفور

وتشير التقديرات الأخيرة الصادرة عن منظمة العمل الدولية إلى أن المهن التي تهيمن عليها الإناث أكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي التوليدي من المهن التي يهيمن عليها الذكور. إلا أن هذا الكشف لا يعني بالضرورة أن جميع الوظائف ستختفي دفعة واحدة، بل أن جزءاً كبيراً من المهام اليومية في هذه الوظائف قد يكون من الممكن إنجازها باستخدام الأدوات الذكية.

وهنا تكمن النقطة الحاسمة: الذكاء الاصطناعي لا “يسرق” الوظائف بالطريقة الدرامية التي يتخيلها البعض، بل يعيد توزيع المهام داخل الشركة. يمكن تقليل ساعات إدخال البيانات والجدولة والصياغة وتلخيص المستندات أو الاستجابات المتكررة، وبالتالي يمكن زيادة الحاجة إلى مهارات جديدة مثل التحقق والمراجعة والتحليل والاستخدام الذكي للأدوات الرقمية.

لماذا تبدو وظائف النساء أكثر عرضة للخطر؟

ويتعلق السبب الرئيسي بما يسميه خبراء سوق العمل “الفصل المهني”. وفي العديد من البلدان، تعمل نسبة كبيرة من النساء في الوظائف الإدارية والكتابية والتعليمية والصحية والخدمية. لا تتضمن هذه الوظائف دائمًا مجهودًا بدنيًا، بل تتضمن معالجة النصوص والتواصل والتنظيم وإدخال المعلومات وإعداد التقارير وخدمة العملاء – وهي بالضبط المجالات التي يمكن أن يتدخل فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة.

تعد المساعدة الإدارية وأعمال السكرتارية وعمل مركز الاتصال وإعداد المستندات والترجمة الأولية وإنشاء المحتوى البسيط أمثلة على المهام التي يمكن أن تختلف بشكل كبير. لذلك، لا يعني ذلك أن النساء يتأثرن بشكل مباشر بالتكنولوجيا، بل أن هيكل سوق العمل نفسه يجعل عددًا من وظائف النساء أقرب إلى موجة الأتمتة.

أرقام توضح حجم الفجوة

وبحسب بيانات نشرتها رويترز واستنادا إلى منظمة العمل الدولية، فقد تبين أن 9.6% من الوظائف التقليدية التي تشغلها النساء من المرجح أن تتحول بواسطة الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 3.5% من الوظائف التي يشغلها الرجال. وتؤكد التقديرات الأخيرة الصادرة عن منظمة العمل الدولية أيضًا أن المهن التي تهيمن عليها الإناث تزيد احتمالية تعرضها للذكاء الاصطناعي التوليدي بمقدار الضعف تقريبًا مقارنة بالمهن التي يهيمن عليها الذكور.

وتظهر بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي أن حوالي 29% من الوظائف في المهن التي تهيمن عليها الإناث تتعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنة بنحو 16% في المهن التي يهيمن عليها الذكور. وتبدو الفجوة أكثر وضوحا في الفئات الأكثر تعرضا للخطر، حيث تقع 16% من وظائف النساء في المناطق الأكثر تعرضا للخطر، مقارنة بـ 3% فقط للرجال.

المشكلة ليست في النساء، بل في توزيع الفرص

ومن الخطأ تفسير هذه الأرقام كدليل على ضعف المرأة أمام التكنولوجيا. والعكس أقرب إلى الواقع: فالعديد من النساء يتمتعن بمهارات في مجالات الاتصال، والتنظيم، والتدريس، وتقديم الرعاية، والإدارة الدقيقة، وهي المهارات التي أصبحت ذات أهمية متزايدة في عصر الذكاء الاصطناعي. لكن المشكلة تكمن في أن تمثيل المرأة أقل في المهن التي تصمم هذه الأدوات أو تستفيد بشكل مباشر من فوائدها، مثل الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة المنتجات الرقمية.

بعبارة أخرى، لا يكمن الخطر الحقيقي في أن الذكاء الاصطناعي سوف ينتزع الوظائف من النساء فحسب، بل أيضا في أن الرجال سيظلون أكثر حضورا في الوظائف التي تعمل على تطوير التكنولوجيا، في حين ستظل النساء أكثر حضورا في الوظائف التي ستتأثر بها. وهنا تتحول التكنولوجيا من فرصة إلى عامل يمكن أن يوسع الفجوة في الأجور والترقيات والتمثيل المهني.

فهل هناك فرصة في هذا التحول؟

وعلى الرغم من المخاوف، فإن الذكاء الاصطناعي ليس له جانب سلبي فحسب. وإذا تم تطبيقه بشكل عادل، فيمكن أن يساعد النساء على زيادة إنتاجيتهن، وتقليل المهام الروتينية، وفتح فرص العمل عن بعد، وتسهيل العودة إلى سوق العمل بعد الانقطاعات بسبب الرعاية أو الأمومة. ويمكنه أيضًا تزويد الموظفين المستقلين بأدوات قوية لإدارة المشاريع وكتابة المقترحات والترجمة والتسويق وتحليل البيانات بتكلفة أقل.

لكن هذه الفرصة لن تنشأ تلقائيا. تحتاج النساء إلى الوصول المجدي إلى التدريب، والإنترنت، والأدوات المدفوعة، ودعم الأعمال، وسياسات العمل التي تأخذ أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر في الاعتبار. وبخلاف ذلك، لن تتمكن سوى مجموعة محدودة من الاستفادة من التحول الرقمي، في حين يواجه آخرون ضغوط المنافسة والأتمتة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للنساء في العالم العربي والمغرب؟

وفي السياق العربي والمغربي، تمثل القضية تحديا إضافيا. تعمل العديد من النساء في القطاعات الخدمية أو الإدارية أو التعليمية أو التجارية أو الأعمال الحرة الصغيرة. هذه هي الصناعات المؤهلة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالات الاتصال والمبيعات والمحاسبة الأساسية وخدمة العملاء وإنشاء المحتوى. ولذلك، فإن الإعداد المبكر يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا بين أولئك الذين يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز موقفهم وأولئك الذين يخرجون من المنافسة.

هذا لا يعني أن كل عامل يجب أن يصبح مبرمجًا. بادئ ذي بدء، من المهم اكتساب “ثقافة الذكاء الاصطناعي” العملية: كيف تكتب تطبيقًا جيدًا للأداة؟ كيف يمكنني التحقق من النتيجة؟ كيف تحمي بياناتك الشخصية؟ كيف تستخدم التكنولوجيا لتسريع العمل دون فقدان الجودة؟ ومن الممكن أن تصبح هذه المهارات قريبًا جزءًا أساسيًا من الحياة المهنية، تمامًا كما كان استخدام أجهزة الكمبيوتر والبريد الإلكتروني في السابق.

ما الذي يجب على الشركات والحكومات فعله؟

توصي منظمات العمل والتنمية بعدم ترك التغيير للصدفة. يتعين على الشركات إشراك النساء في برامج التدريب على الذكاء الاصطناعي، وليس فقط في وظائف التكنولوجيا الفائقة. كما يتعين على الحكومات والمؤسسات التعليمية توسيع نطاق التعليم الرقمي للفتيات والنساء، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف الوصول إلى الإنترنت أو فرص العمل الحديثة.

ومن المهم أيضًا مراقبة التحيز داخل أنظمة التوظيف والترقية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. إذا كانت البيانات القديمة تميز ضد المرأة، فقد تعيد الخوارزميات إنتاج نفس التحيز بشكل أكثر دقة وخطورة. ولذلك، تحتاج المنظمات إلى الشفافية والتدقيق والمساءلة عند استخدام هذه الأنظمة عند اتخاذ القرارات التي تؤثر على المستقبل المهني للأشخاص.

هل يسرق الذكاء الاصطناعي الوظائف من النساء؟ الإجابة الأكثر دقة: إنه لا يسرقها بمفرده، لكنه يستطيع تحويلها بشكل أسرع من قدرة العديد من العمال على التكيف عندما لا تتوفر الحماية والتدريب والفرص العادلة. الخطر موجود، لكنه ليس حتميا. يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي تهديداً إذا تم استخدامه فقط ليحل محل البشر، ويمكن أن يصبح فرصة إذا تم استخدامه لتحسين جودة العمل وتوسيع مهارات المرأة وحضورها في اقتصاد المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *